الياس شوفاني

67

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

بداية الألف الثاني قبل الميلاد ، تشير إلى عصر من الازدهار الكبير . والكثير من هذه المدن يقع على طرق التجارة الدولية ، الأمر الذي أدّى إلى نموها وتقويتها بسرعة . والتحصينات الضخمة ، كما القصور الملكية الفخمة ، والمباني العامة الباسقة ، تؤكد جميعها أن هذه المدن كانت بمثابة دول قوية وغنية ، تحكم محيطها ، وتسيطر على جزء من التجارة الدولية ، كما تقيم علاقات متشعبة مع مثيلاتها . ويظهر من اللوحات المسمارية المكتشفة في ماري ( تل الحريري ) والالاخ ( تل عطشانة ) في سورية ، وكذلك من « كتب اللعنات » المصرية ، أن العموريين كانوا قد أنشأوا سلالات ثابتة في مدن - الدولة التي انتشرت في بلاد الشام . ومنها توغلوا في مصر وأسسوا إمبراطورية الهكسوس ، كما فعلوا ذلك سابقا في العراق وأسسوا إمبراطورية بابل الأولى ، التي بلغت أوج ازدهارها واتساعها أيام حمورابي ( 1728 - 1686 ق . م . ) . وبينما عرفت الممالك في سورية بأسماء مدنها : ماري ويمحاض ( حلب ) وقطنا والالاخ وغيرها ، فإن المصادر أطلقت على فلسطين اسم أرض - كنعان ( كناخني أو كنياخي ) ، سواء في وثائق نوزي العراقية ، أو تل العمارنة المصرية . وتشير الدلائل إلى أن فلسطين ، في نهاية الألف الثالث وبداية الألف الثاني قبل الميلاد ، كانت تمرّ بمرحلة من التحوّلات الكبيرة سياسيا واجتماعيا ، إسوة ببلاد الشام عامة . فالمدن - الممالك تزداد عددا ، وهي تتطور عمارة وبنية ، كما تشهد ازدهارا واستقرارا ، الأمر الذي يشير إلى تبلور السلطة أو السلطات المركزية التي أصبحت عاملا سياسيا مهما في المنطقة بأسرها . وتؤكد ذلك أعمال التنقيب في جبيل وأوغاريت وحماة وبيت شان ومجدّو وجيزر والعيّ ( التل ) وغيرها . وشهدت بلاد الشام في هذه الفترة قيام ممالك عمورية ( كنعانية ) قوية مثل : ماري وطرقة وحران ويمحاض والالاخ وقطنا وقادش وحاصور ومجدّو وغيرها . وحتى بعد طرد الهكسوس من مصر ، حافظت الممالك العمورية على قوتها وسيادتها في الهلال الخصيب . وعلى الرغم من غياب وحدتها السياسية ، فقد جمعتها وحدة حضارية ، وظلت العلاقات بين تلك الممالك قوية ، وفي مجالات متعددة ، أهمها التجارية والدبلوماسية . وإذ وقعت فلسطين ، وخصوصا جنوبها ، تحت النفوذ المصري ، فقد بقيت ، بابل في حوض دجلة والفرات وأشور في أعالي الدجلة ويمحاض في شمال سورية وقطنا في أواسط مجرى العاصي وحاصور في شمال فلسطين وأوغاريت وجبيل على الساحل الفينيقي ، ممالك قوية ومزدهرة اقتصاديا . كما قامت ممالك جديدة إلى الجنوب من ماري ، في خانة وطرقة على الفرات الأوسط .